بعد تسجيل إصابات بفيروس “هانتا” في عدد من الدول، من بينها فرنسا والولايات المتحدة وبعض بلدان آسيا، عاد الجدل والخوف مجددًا حول إمكانية تحوّل هذا الفيروس إلى تهديد صحي عالمي جديد، خاصة مع الانتشار السريع للأخبار والمعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبين حالة الترقّب والقلق، يطرح كثيرون في تونس ودول شمال إفريقيا سؤالًا مشروعًا: هل هناك خطر حقيقي من وصول فيروس “هانتا” إلى المنطقة؟
في هذا السياق، سارعت الأستاذة المختصة في الأمراض الجرثومية، الدكتورة ريم عبد الملك، إلى طمأنة التونسيين، مؤكدة أن الوضع لا يدعو إلى الهلع، وأنّ التعامل مع الموضوع يجب أن يكون بعقلانية وبالاعتماد على المعطيات العلمية الدقيقة بعيدًا عن التهويل والإشاعات.
فيروس قديم وليس وباءً جديدًا
وأكدت الدكتورة أن فيروس “هانتا” ليس فيروسًا مستجدًا كما يعتقد البعض، بل هو معروف لدى الأوساط العلمية والطبية منذ عقود طويلة، وقد تم اكتشافه وتصنيفه منذ منتصف القرن الماضي مع تطور تقنيات المجهر الإلكتروني ووسائل دراسة الفيروسات والكائنات الدقيقة.
وينتمي “هانتا” إلى مجموعة من الفيروسات المرتبطة أساسًا بالقوارض، خاصة الفئران، حيث تنتقل العدوى عادة عبر فضلات الحيوانات المصابة أو إفرازاتها، أو من خلال استنشاق جزيئات ملوثة في أماكن مغلقة وغير صحية.
وتشير المعطيات الطبية إلى أن الفيروس يوجد تاريخيًا في بعض المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، إضافة إلى أجزاء من آسيا والأمريكيتين، ولم يظهر بشكل مفاجئ في الفترة الحالية، بل عاد إلى واجهة الأخبار بسبب بعض الحالات المعزولة التي تم تسجيلها مؤخرًا.
كيف تظهر أعراض الفيروس؟
بحسب المختصين، فإن أعراض فيروس “هانتا” تختلف من حالة إلى أخرى بحسب نوع السلالة والحالة الصحية للمصاب. وفي بعض الحالات، قد يسبب التهابات تنفسية حادة أو مضاعفات على مستوى الرئتين والكلى، ما يستوجب أحيانًا العلاج والمتابعة داخل المستشفيات.
لكن الدكتورة ريم عبد الملك شددت على أن الإصابة لا تعني بالضرورة تطورًا خطيرًا، وأن الكثير من الحالات تبقى تحت السيطرة الطبية عند التشخيص المبكر والمتابعة المناسبة.
هل ينتقل بين البشر؟
من أكثر النقاط التي أثارت مخاوف الناس، إمكانية انتقال فيروس “هانتا” بين البشر، خاصة بعد التجارب السابقة مع أوبئة عالمية أخرى. إلا أن المختصين يؤكدون أن انتقال الفيروس من إنسان إلى آخر يبقى نادرًا جدًا، ولا يحدث إلا في ظروف استثنائية واحتكاك وثيق للغاية.
وأوضحت الدكتورة ريم عبد الملك أن أغلب الإصابات المعروفة عالميًا ترتبط بالاحتكاك بالقوارض أو التواجد في بيئات ملوثة، وليس عبر العدوى البشرية المباشرة، مؤكدة أنه لا توجد مؤشرات علمية حاليًا تدعو إلى الخوف من تحوّل الفيروس إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار.
ماذا عن تونس ودول شمال إفريقيا؟
وفي ما يخص تونس، أكدت الدكتورة بشكل واضح أن الفئران الموجودة في البلاد لا تحمل فيروس “هانتا”، رغم إمكانية حملها لبعض الفيروسات أو الأمراض الأخرى المعروفة. كما شددت على أنه لم يتم تسجيل أي إصابة بهذا الفيروس في تونس إلى حد الآن.
ويرى مختصون أن الوضع نفسه ينطبق بدرجة كبيرة على عدد من دول شمال إفريقيا، حيث لا توجد معطيات وبائية تشير إلى انتشار الفيروس داخل المنطقة، في ظل اختلاف البيئة الطبيعية وأنواع القوارض مقارنة بالمناطق التي ينتشر فيها “هانتا” تاريخيًا.
ومع ذلك، تبقى الوقاية الصحية ضرورية، خاصة في ما يتعلق بالنظافة العامة، ومراقبة الأماكن المغلقة، والتعامل السليم مع الحيوانات، إلى جانب التوجه إلى الطبيب عند ظهور أعراض غير طبيعية أو مشاكل تنفسية حادة.
بين التهويل والوعي
عودة الحديث عن فيروس “هانتا” تعكس حالة القلق العالمية من أي مرض جديد بعد سنوات من جائحة كورونا، لكن المختصين يدعون إلى التعامل مع الموضوع بوعي بعيدًا عن الخوف المبالغ فيه.
وتؤكد الدكتورة ريم عبد الملك أن المعلومة العلمية الدقيقة تبقى السلاح الأهم في مواجهة الإشاعات، مشيرة إلى أن الوضع الصحي في تونس لا يدعو إلى القلق في الوقت الحالي، وأن الفيروسات المنتشرة حاليًا تبقى في أغلبها موسمية ومرتبطة بالتقلبات المناخية المعتادة.