اعتبر أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي أن ما تعيشه البلاد اليوم من قطع دوري للكهرباء، والذي وصل في بعض الجهات إلى حد التسبب في وفيات مأساوية لمواطنين مرتبطين بأجهزة تنفس اصطناعي، وفق تعبيره، ليس مجرّد خلل فني عابر بسبب حرارة الصيف.

وأكّد أن هذا الانهيار هو النتيجة الحتمية لمنظومة حوكمة اقتصادية فاشلة استمرت لسنوات عديدة دون إصلاح.
جاء ذلك في تدوينة مطوّلة على حسابه بفيسبوك، بيّن فيها أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز “ستاغ” ليست وحدها المسؤولة عن هذا الوضع الكارثي، وأن عديد الأطراف تتحمّل معها المسؤولية.
وكتب الشكندالي: “المواطن يسأل اليوم بغضب: أنا أدفع فاتورة باهظة تفوق مقدرتي الشرائية، فلماذا ينقطع عني الكهرباء؟ وأين تذهب القروض المليونية التي تُعلن عنها الدولة بضمانها؟”.
وبيّن أن هناك قروضا عديدة تعطى لـ”ستاغ” بضمان الدولة، لكنها لا توجّه إلى تحسين البنية التحتية للشركة وتوسيع طاقة إنتاجها.
فقد حصلت الشركة في الآونة الأخيرة على قرض بضمان الدولة بقيمة 420 مليون دينار وهي ليست المرّة الأولى التي تحصل فيها الـ”ستاغ” على مثل هذا النوع من القروض.
وقال الشكندالي إن الأوضاع الطبيعية تستوجب عندما تقترض مؤسسة طاقة مئات المليارات، أن يذهب ذلك لبناء محطات توليد جديدة، أو تحديث شبكات التوزيع المتهالكة لمنع الانقطاعات.
وتابع: “لكن الحقيقة الصادمة هي أن هذا القرض هو مجرد مسكّن مؤقت لإنقاذ السيولة اليومية للشركة أي أن هذا القرض يذهب مباشرة لسداد ديون قديمة متراكمة، ولدفع ثمن الغاز المستورد من الجزائر بالعملة الصعبة لكي لا نبقى في الظلام التام”.
وأضاف: “نحن نقترض لنستهلك يوما بيوم، ولا نقترض لنستثمر في المستقبل. هذه تسمى اقتصاديا ‘حلقة مفرغة من الاستدانة للاستهلاك’، وهي بداية الإفلاس الهيكلي لأي مؤسسة عمومية”.
وتساءل الشكندالي: “كيف نطلب من مواطن بسيط ملتزم بدفع فاتورته بانتظام أن يتحمل الانقطاع والزيادات، بينما نغض الطرف عن المتسببين الحقيقيين في نزيف السيولة والذين لا يدفعون مستحقات الـ”ستاغ”؟”.
وذكّر بأن ديون الـ”ستاغ” غير المستخلصة تجاوزت 6 مليار دينار، متسائلا: من لا يدفع؟
ولفت إلى أن الوزارات والبلديات والمستشفيات العمومية، والمؤسسات التابعة للدولة تستهلك الكهرباء وتتأخر لسنوات في سداد فواتيرها، والدولة تتلكأ في دفع مستحقات الستاغ من صندوق الدعم لتغطية الفارق بين التكلفة الحقيقية وسعر البيع.
وقال: “الدولة هنا تتصرف كخصم وحكم؛ تمنع الشركة من قطع الكهرباء عن الإدارات العمومية، وتحرمها من سيولتها، ثم تلومها على العجز!”.
كما أشار الشكندالي إلى سرقة الكهرباء، لافتا إلى وجود أحياء كاملة، ومزارع، ومصانع عشوائية تسرق الكهرباء جهارا عبر الربط العشوائي دون حسيب أو رقيب قانوني حازم.
واعتبر أن المواطن الملتزم اليوم يدفع، من خلال فاتورته المرتفعة، ثمن الكهرباء التي يسرقها غيره.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن من بين الأسباب خلل المنظومة إغراق المؤسسة بالانتدابات العشوائية دون دراسة للحاجة الفعلية للشركة أو الكفاءة التقنية المطلوبة.
وبيّن أن نتيجة ذلك هي بطالة مقنعة وتضخم مخيف في كتلة الأجور، أصبحت تلتهم النسبة الأكبر من مداخيل الشركة على حساب ميزانيات الصيانة والتطوير الفني للشبكة.
كما انتقد الشكندالي “سخاء” الامتيازات العينية. وبيّن أنه في وقت تعاني فيه الشركة من شح السيولة ومن خطر الإفلاس، ما يزال يُعمل بنظام ‘مجانية واستهلاك الكهرباء اللامحدود’ أو المدعم بسخاء كبير لعشرات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين من الـ”ستاغ” وعائلاتهم.
واعتبر أنه من الناحية الاقتصادية، هذا ضرب من العبث بموارد الطاقة في وقت تُطالب فيه الدولة عموم المواطنين “بترشيد الاستهلاك!”.
كما حمّل الخبير جزءا من مسؤولية انهيار منظومة الطاقة إلى التبعية للغاز والعملة الصعبة.
وبيّن أن تونس تنتج أكثر من 95٪ من كهربائها باستخدام الغاز الطبيعي. وحقولها النفطية والغازية في تراجع مستمر. وهو ما يعني أننا إجباريّة استيراد معظم الحاجيات من الغاز بالعملة الصعبة.
ومع تدهور قيمة الدينار التونسي، تضاعفت كلفة إنتاج الكيلوواط الواحد على الشركة عدة مرات.
وأوضح أن الشركة تشتري مدخلات الإنتاج بالأسعار العالمية النارية، وتبيع الكهرباء للمواطن بأسعار مدعومة، والنتيجة هي اتساع الفجوة المالية كل يوم.
هذا العجز المالي الخانق منع الشركة من تجديد محطات النقل والتوزيع التي لم تعد قادرة فنياً على تحمل ‘الذروة الصيفية’ وارتفاع استهلاك المكيفات، مما يضطر المهندسين للقطع القسري لحماية الشبكة من احتراق المحولات الكبرى والانهيار الشامل (Blackout).
وتساءل الشكندالي: “إلى متى سنستمر في هذا الترقيع؟ المواطن التونسي لم يعد قادرا على تحمل فواتير أغلى مقابل خدمات أسوأ تقطع أنفاس المرضى في بيوتهم”.
واعتبر أن الحلول واضحة وتتطلب إرادة سياسية جريئة.
أولى الحلول التي طرحها أستاذ الاقتصاد في تدوينته هو تطهير الديون. وطالب الدولة بدفع مستحقات الـ”ستاغ” المتخلّدة بذمة وزاراتها ومؤسّساتها العموميّة فورا لإنقاذ سيولتها.
كما دعا الشكندالي إلى تطبيق القانون ووقف نزيف السرقات والربط العشوائي بشكل فوري وعبر آليات ردع صارمة، ومراجعة منظومة الامتيازات المجانية داخل الشركة لملاءمتها مع واقع الأزمة.
وطالب الشكندالي بتحرير الطاقة الشمسية. وبيّن أن تونس تملك شمساً ساطعة طول العام، والبطء والبيروقراطية وتغول بعض الأطراف في منع مشاريع الطاقات المتجددة هو جريمة في حق الأمن الطاقي التونسي.
وختم بالقول: “يجب فتح الباب فورا وعلى نطاق واسع لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسيّة لتخفيف الضغط على الغاز المستورد بالعملة الصعبة”.